المقريزي
108
تاريخ اليهود وآثارهم في مصر
فلمّا جلا بختنصّر « يهوياقيم الملك » ومعه أعيان بني إسرائيل ، وكبراء بيت المقدس ، وهم في زيادة على عشرة آلاف نفس ، ساروا ومعهم نسخ المشنا الّتى كتبت لسائر ملوك بني إسرائيل بأجمعها . . إلى بلاد المشرق ، فلمّا سار بختنصّر من بابل الكرّة الثّانية لغزو القدس ، وخرّبه ، وجلا جميع من فيه ، وفي بلاد بني إسرائيل من الأسباط الاثني عشر إلى بابل ، أقاموا بها وبقي القدس خرابا لا ساكن فيه مدّة سبعين سنة . . ثم عادوا من بابل بعد سبعين سنة ، وعمّروا القدس وجدّدوا بناء البيت ثانيا ، ومعهم جميع نسخ المشنا الّتى خرجوا بها أوّلا ، فلمّا مضت من عمارة البيت الثّانى بعد الجلاية ثلاثمائة ونيّف من السّنين اختلف بنو إسرائيل في دينهم اختلافا كثيرا . . فخرج طائفة من آل داود عليه السّلام من بيت المقدس ، وساروا إلى الشّرق ، كما فعل آباؤهم أوّلا ، وأخذوا معهم نسخا من المشنا الّتى كتبت للملوك من مشنا موسى الّتى بخطّه ، وعملوا بما فيها ببلاد الشّرق من حين خرجوا من القدس إلى أن جاء اللّه بدين الإسلام وقدم عانان رأس الجالوت « 1 » من المشرق إلى العراق ، في خلافة أمير المؤمنين أبى جعفر المنصور « 2 » . . سنة ستّ وثلاثين ومائة من سنى الهجرة المحمديّة . وأمّا الّذين أقاموا بالقدس من بني إسرائيل ، بعد خروج من ذكرنا إلى الشّرق من آل داود ، فإنّهم لم يزالوا في افتراق ، واختلاف في دينهم ، إلى أن
--> ( 1 ) كلمة « رأس الجالوت » كانت تطلق على رئيس يهود في العراق ، ويطلق عليه « الناجد » في مصر والأندلس وتونس ، مثل البطريرك بالنسبة للمسيحيين . راجع : ( رحلة بنيامين ص 172 هامش 5 ) . وعنان بن داود . رأس الجالية اليهودية ، توفى سنة 1790 م . واشتهرت بالانتساب إليه « فرقة العانانية » وهي « القراءون » ، فالقراءون ليسوا شيئا آخر غير العنانيين ، فهم منهم . . أو هم هم ، ويقال : أن عنان هذا هو رأس فرقة « القرائين » وأول من قال بهذه الطائفة . راجع : ( مراد فرج . القراءون والربانون ص 51 ) . ( 2 ) أبو جعفر المنصور : ثاني خلفاء بنى العباس ، خلف أخاه أبا العباس . أسس بغداد سنة 762 م وجعلها عاصمة الخلافة العباسية . وتوفى سنة 775 م .